الشيخ محمد جميل حمود

121

الفوائد البهية في شرح عقائد الإمامية

أثناء تفاعلهما العلّي مع دخول عنصر جديد عليهما ، لينتج معلولا جديدا . إنّ هذا الأمر يبيّن لنا عدم ثبات مبدأ العلّية في اتجاهه التراتبي وقابلية اختراقه من جهة ، كما أنه يبيّن لنا من جهة أخرى مصداقية المبدأ الفلسفي المعروف « إن كل شيء هو كل شيء » بمعنى أننا شاهدنا قدرة الإنسان على الانتخاب ما بين مواد العلل ، وهذه القدرة كلما زادت كلما أتاحت للإنسان قدرة أكبر للحصول على معاليل إضافية ، غير أنّ هذه القدرة تحكي في جانب آخر قدرة التحكم في نتاج أي مادة طالما اقتربنا من علّتها الأولى ، الأمر الذي يعني أن الإنسان قادر - كلما اقترب من المعدن الأصلي للأشياء - أن يبرز أي مادة » « 1 » . إذن لا مانع علميا من اختراق نظام العلّية في أشياء محدّدة من الظواهر الكونية نتيجة تسليط علّة تجعل النظام ينحاز إلى المعادلة الأقوى ، فلا شك أن الإنسان قادر على أن يتحكم بمعادلات العلّة والمعلول ، « لأنّ حصول شيء ما ، نتيجة أي ظرف كان ، يجعل هذا الشيء في حدود الإمكان ، وطالما أنّ الإمكان الفلسفي مسافته بين الوجود والعدم متساوية ، لذا فإنّ قدرة الإنسان البسيطة على الاختراق ، يمكن أن تخرج من طور البساطة ، إلى طور الاتساع ، لأنه بمجرّد ما كان قادرا على اختراق ما ، فإنه يمكن أن يطوّر عملية الاختراق هذه نوعيا ويحوّلها من الكمّ البسيط إلى النوع المعقد » « 2 » فعملية اختراق قانون العلّة والمعلول هو عملية تطبيقية لقوانين طبيعية لها طبيعة السلطان الأقوى على السلسلة المألوفة لحركة العلّة والمعلول وهذا ما يوضحه قوله تعالى مخاطبا الثقلين بقوله : يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ ( الرحمن / 34 ) . هنا طرح القرآن عملية الاختراق المفترضة لقانون الجاذبية على شكل إمكان كوني ، وهذه الإمكانية المحتومة للإنس والجن إنما منحت لسبب تكويني مرتبط مرة بكون قابلية الظاهرة الكونية لأن تخترق ، وأخرى مرتبط بكونهما أعطوا سلفا نحوا من الولاية في أفعالهما .

--> ( 1 ) الولاية التكوينية حق طبيعي للمعصوم : ص 53 لأخي المحقق الشيخ جلال الدين الصغير بتصرّف بسيط . ( 2 ) نفس المصدر : ص 56 .